يحلّل فراس مقصد، المدير التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة يوراسيا، تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا يشهده الإقليم، حيث لم تعد إيران اللاعب المركزي في رسم مساره، بل برز تنافس جديد بين كتلتين آخذتين في التشكّل: تحالف إبراهيمي تقوده إسرائيل والإمارات، وتحالف إسلامي تقوده السعودية بمشاركة قوى إقليمية أخرى.
يعتبر المقال الذي نشره موقع فورين بوليسي أن هذا الاستقطاب الجديد، أكثر من أي خطوة إيرانية مقبلة، سيحدّد مستقبل الشرق الأوسط ودور الولايات المتحدة فيه.
صعود التحالف الإبراهيمي وإعادة هندسة الإقليم
يركز التحالف الإبراهيمي على إسرائيل والإمارات، ويمتد ليشمل المغرب واليونان وحتى الهند. ينطلق هذا المعسكر من رؤية “تصحيحية” تسعى إلى إعادة تشكيل الإقليم عبر القوة العسكرية، والتعاون التكنولوجي، والتكامل الاقتصادي. يرى أعضاؤه أن النظام الإقليمي القائم فشل في احتواء الإسلام السياسي، سواء بصيغته الشيعية المدعومة من إيران أو السنية المرتبطة بتركيا وقطر، ويعتقد أن الاستقرار الدائم يمر عبر دعم قوى أكثر علمانية والتدخل المباشر في بؤر الصراع.
تستفيد هذه الدول من رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في توسيع اتفاقات أبراهام، فتدفع باتجاه توسيع دائرة التطبيع العربي-الإسرائيلي بغضّ النظر عن مسار القضية الفلسطينية أو حل الدولتين. يعزز هذا المسار ما حققته إسرائيل من استعادة الردع بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، إلى جانب الدور الإماراتي المتنامي، حيث توظف أبوظبي نفوذها الاقتصادي ومرونتها الدبلوماسية لتوسيع حضورها من الخليج إلى القرن الأفريقي وشمال أفريقيا. يشير المقال إلى اتهامات أممية ومنظمات دولية للإمارات بدعم قوى مسلحة في السودان واليمن وليبيا.
تلعب اليونان دور شريك محوري في شرق المتوسط عبر مناورات عسكرية ومشاريع طاقة مشتركة مع إسرائيل لموازنة النفوذ التركي، بينما يضيف الانخراط الهندي المتزايد مع إسرائيل والإمارات، سواء ثنائيًا أو عبر أطر مثل I2U2 وممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، عمقًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الإقليم.
التحالف الإسلامي ومحاولة كبح التفكك
في مواجهة هذا المحور، يتبلور تحالف إسلامي تقوده السعودية، وتشارك فيه تركيا وباكستان وقطر، مع انخراط أكثر حذرًا من مصر. ترى هذه الدول أن المحور الإسرائيلي-الإماراتي يفاقم عدم الاستقرار عبر دعم قوى انفصالية في مناطق النزاع، وتعتبر خطاب “مواجهة الإسلاميين” غطاءً لتوسيع النفوذ.
يفضّل هذا المعسكر العمل من خلال الدول القائمة، رغم ضعفها، للحفاظ على السيادة ووحدة الأراضي، سواء في اليمن أو السودان أو غيرهما. خلال العام الماضي، عززت الرياض علاقاتها الدفاعية مع باكستان عبر اتفاق أمني متبادل، ووسّعت تعاونها العسكري مع تركيا، مع اقتراب توقيع ترتيبات دفاعية أكثر رسمية. في الوقت نفسه، تناقش مصر مع السعودية تنسيقًا أوثق في ملفات السودان والصومال، ما يشكّل ثقلًا موازنًا يمتد عبر المحورين الشرقي والغربي للإقليم.
الصدع السعودي-الإماراتي وتحديات واشنطن
يتوسط هذا الاصطفاف الجديد أخطر خلاف ثنائي في الشرق الأوسط اليوم: التنافس المتصاعد بين السعودية والإمارات. بعد سنوات من الشراكة الوثيقة، بات البلدان خصمين استراتيجيين، وبرز هذا التباعد في اليمن حين قصفت السعودية ميناء المكلا لوقف نقل أسلحة إماراتية، ما أجبر أبوظبي على التراجع. يحذر المقال من أن استمرار هذا التنافس دون إدارة قد يدفع نحو مواجهات مباشرة، أو إجراءات تصعيدية مثل إغلاق الأجواء والحدود أو انسحابات من أطر إقليمية كأوبك+، وهو ما قد يهز أسواق الطاقة ويعطّل التجارة والسفر.
يزيد هذا الانقسام من تعقيد أحد أهداف واشنطن الرئيسية، وهو تطبيع العلاقات السعودية-الإسرائيلية. ترى الرياض فائدة في اتفاق يضمن لها التزامًا أمنيًا أميركيًا مقابل دمج إسرائيل إقليميًا، لكنها تميل في غياب تغيّر حقيقي في السياسات الإسرائيلية تجاه غزة والضفة الغربية إلى التقارب أكثر مع تركيا وباكستان والابتعاد عن تل أبيب.
يخلص فراس مقصد إلى أن التحدي الأميركي لم يعد احتواء إيران بقدر ما أصبح إدارة التنافس بين الحلفاء ومنع مزيد من التفكك. ويدعي الكاتب أن نجاح ترامب في توحيد المسارين الإبراهيمي والإسلامي تحت مظلة أميركية واحدة، عبر إدارة الخلافات وتوفير أفق حقيقي للتطبيع السعودي-الإسرائيلي، قد يرسّخ نظامًا إقليميًا مستقرًا لعقود، فيما تبقى السعودية “دولة الترجيح” التي سيحدد خيارها الاتجاه النهائي للمنطقة.
https://foreignpolicy.com/2026/01/27/saudi-uae-middle-east-coalitions-teams/

